ابن حمدون

177

التذكرة الحمدونية

مذهب مطارفها ، بلون غياب الشمس ، وصبغ ثياب الورس . ومن منقوشة تروق العين وترقّ النفس ، ويهدي حسنها الأريحية إلى القلوب ، ويحلّ الطرب لها حبية الكريم [ 1 ] اللبيب ، كأنها اختلاف الزّهر اللامع ، وأصناف الثمر اليانع ، تقول إذا رأيتها متأمّلا ، ونظرت فيها متفرّسا ، أهدت لها الأنوار الأنواء ، أو حبتها بالبرود صنعاء . ومن بحرية موشّية اللَّيط ، رائقة التخطيط ، كأنّ داخلها نضرة دم ، أو حاشية رداء معلم ، وكأنّ خارجها إهاب أرقم ، أو متن واد مفعم ، قصر باطنها عن حوّة [ 2 ] العظلم ، وضاهى ظاهرها صبغ عندم ، وتشرّبت ألوانا [ 3 ] تزري بورد الخدود ، وأبدت قامات تفضح تأوّد القدود ، إن امتدّ وشيها قلت تثنّي ثعبان ، [ أو ] اعوجّ قلت : مناقذ [ 4 ] بغدان ، وقرنت بها مدية حديد كأنّ القدر سابقها ، والأجل سائقها ، بنت سيف يمان ، أو سليلة نصل هندوان [ 5 ] ، وهي تنزع بطيب [ 6 ] أعراقها وتحزّ بكرم سنخها ، كأنها الحسام القاطع والعضب الباتر ، لا يتوى رميّه ، ولا ينبو عن ضريبة ؛ مرهفة الصدر ، مخطفة الخصر ، ممهاة الشّفر ، مطلقة الظَّبة ، رقيقة الحد ، ملسة الطرف ، يجول عليها فرند العقيق ، ويترقرق فيها ماء الجوهر ، كأنّ المنيّة تبرق من حدّها ، والأجل يلمع في متنها ، ركَّبت على نصاب آبنوس ، كأنما ناسب سواده خافية الغراب ، واستعيد لونه من شرخ الشباب ، وكأنّ الحدق نفضت عليها صبغها ، وحبّ القلوب كستها لباسها ، فهي آنق في العين من كلّ مرأى أنيق ، وألوط بالقلب من كلّ قدّ رشيق ، أخذ لها حديدها الناصع بحظَّ من الروم ، وضرب لها نصابها الحالك بسهم من الزّنج . وكأنها ليل من تحت نهار ، أو نجم أبدى سنا نار .